محمد أبو زهرة

2017

زهرة التفاسير

أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ . . . ( 3 ) . إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ المعنى : إن الله يحكم الحكم الذي يريده ، لا الحكم الذي تهواه النفوس ، أو الحكم الذي توارثه الخلف عن السلف . فهو سبحانه إذا حكم بإيجاب الإيفاء بالعقود ، وحكم بإحلال بهيمة الأنعام ، وحكم باستثناء بعض الأنعام مما أحله ، وحكم باستثناء الفريقين ممن أحل لهم ، إنما يصدر في حكمه عن إرادته . وسنته في إرادته بينها سبحانه بقوله : . . . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . . . ( 185 ) [ البقرة ] وبقوله : . . . ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ . . . ( 6 ) فأحكامه التي ذكرها مصدرها إرادته ، وهو ما يريد العسر ولا الحرج بحكمه ، لا في تحريمه المحرمات ، ولا إحلاله المباحات ، وإيجابه الواجبات ، وكل ما أمر به أو نهى عنه أو شرعه . ونرى أن « يحكم » تعدت من غير الباء فلم يقل تعالت كلماته : « إن الله يحكم بما يريده » بل قال : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ وذلك لتضمن الحكم معنى حد الحدود ، والمنع عن الموبقات ، فكان التعدي بغير الباء . وقد جاء في تفسير القرطبي : أن « هذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود ، والثاني : تحليل بهيمة الأنعام ، الثالث : استثناء ما يتلى بعد ذلك ، الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد ، الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش : أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، فقال : أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ، ثم خرج فقال : والله ما أقدر ، ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة ، فنظرت ، فإذا هو قد كلف بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته - في سطرين ،